ابن كثير
47
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
من هذا ، كما قال تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ - إلى قوله - لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ [ يونس : 5 - 6 ] وقال تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [ البقرة : 189 ] الآية . قال ابن جريج عن عبد اللّه بن كثير في قوله : فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً قال : ظلمة الليلة وسدف النهار « 1 » . وقال ابن جرير عن مجاهد : الشمس آية النهار والقمر آية الليل ، فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ قال : السواد الذي في القمر ، وكذلك خلقه اللّه تعالى . وقال ابن جريج : قال ابن عباس : كان القمر يضيء كما تضيء الشمس ، والقمر آية الليل ، والشمس آية النهار ، فمحونا آية الليل السواد الذي في القمر . وقد روى أبو جعفر بن جرير من طرق متعددة جيدة أن ابن الكواء سأل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، فقال : يا أمير المؤمنين ما هذه اللطخة التي في القمر ؟ فقال : ويحك أما تقرأ القرآن ؟ فقال : فمحونا آية الليل فهذه محوه . وقال قتادة في قوله : فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ كنا نحدث أن محو آية الليل سواد القمر الذي فيه ، وجعلنا آية النهار مبصرة أي منيرة ، وخلق الشمس أنور من القمر وأعظم ، وقال ابن أبي نجيح عن ابن عباس وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ قال ليلا ونهارا ، كذلك خلقهما اللّه عز وجل « 2 » . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 13 إلى 14 ] وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً ( 13 ) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ( 14 ) يقول تعالى بعد ذكر الزمان وذكر ما يقع فيه من أعمال بني آدم : وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وطائره هو ما طار عنه من عمله ، كما قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما ، من خير وشر ويلزم به ويجازى عليه ، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [ الزلزلة : 7 - 8 ] وقال تعالى : عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ ق : 17 - 18 ] وقال : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ [ الانفطار : 10 - 14 ] وقال : إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * [ الطور : 16 ] وقال مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [ النساء : 123 ] الآية ، والمقصود أن عمل ابن آدم محفوظ عليه قليله وكثيره ، ويكتب عليه ليلا ونهارا ، صباحا ومساء . وقال الإمام أحمد « 3 » : حدثنا قتيبة ، حدثنا ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر ، سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « لطائر كل إنسان في عنقه » قال ابن لهيعة : يعني الطيرة ، وهذا القول من ابن لهيعة في تفسير هذا الحديث غريب جدا ، واللّه أعلم .
--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 8 / 46 . ( 2 ) انظر هذا الأثر والآثار التي قبله في تفسير الطبري 8 / 45 ، 46 ، 47 . ( 3 ) المسند 3 / 360 .